اخبار الاعاقة

فاطمة بلال 'طفلة صماء تتحدى مهندسي الروبوتات'

فاطمة بلال 'طفلة صماء تتحدى مهندسي الروبوتات'
2018-02-18
ابداع في صمت.. فتاة فاقدة السمع.. بالكاد بلغت الستة عشر عامًا .. يظهر على ملامحها الوجه الصعيدى الأصيل.. فهى من أبناء سوهاج.. وتعيش فى الإسكندرية.. ورغم حداثة سنها، فهى تحمل جواز سفر مصرى.. سافرت إلى خمسة دول أستراليا – أندونيسيا – الهند – روسيا – كوستاريكا !!! اخترقت ثلاث قارات.. أستراليا وآسيا وأمريكا الجنوبية.


فى بداية حديثنا معها تساءلت فى تعجب.. كيف اخترقتى كل هذه القارات برغم إعاقتك السمعية وبرغم حداثة السن؟ كيف ومتى ولماذا؟ بدأت حديثها بلغة الإشارة بتعبيرات وجهها الجادة يدعمنا فى الحوار مترجمًا للغة الإشارة قائلة: "أنا كنت طالبة بمدرسة لضعاف السمع بالإسكندرية فى المرحلة الإبتدائية وعلمت من زملائى بوجود جمعية للصم وضعاف السمع تهتم فى مجال تدريب الصم وضعاف السمع على أساسيات تصميم وبرمجة الروبوت (الإنسان الآلى) ، فالتحقت بالجمعية.. لم أكن أتوقع أن أجد خدمة تدريبية متميزة، ولكن فوجئت بأن المدربين جميعهم من خبراء الروبوت من الصم وضعاف السمع ذاتهم.. فكان ذلك الأفضل لى لم أجد غربة فى اللغة ولا فى الحوار  بل كانت التعليمات وبرامج التدريب كاملة من خبراء فى لغتنا الإشارية فكان شيئًا متميزًا بالنسبة لى.



شاركت ولأول مرة فى مسابقة الليجو للروبوت عام 2013 ضمن فريقـًا جميعمهم من الصم وضعاف السمع وبمسابقة عدد المشاركين بها أكثر من ثمانين فريقـًا جميعهم من السامعين برعاية من وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لأحقق وفريقى المركز الثالث فى أداء الروبوت والمركز الأول لكأس أحسن مشروع روبوت على كامل الفرق لنؤهل للمشاركة فى المسابقة الآسيوية المفتوحة للروبوت بأستراليا. وشاركنا بالمسابقة على المستوى الآسيوى وسط فرق قوية من السامعين وخاصة فرق النمور الأسيوية وكنا الفريق الوحيد المشارك والممثل لمصر بل والفريق الوحيد من الصم وضعاف السمع وسط أكثر من خمسة وسبعون فريقًا من دول آسيا، ولم يكن التحدى سهلا ً، ولكن إرادتى وإرادة فريقى أن نحقق التميز دفعنا أن نبذل أقصى ما نملك من مهارات لنحقق الإبداع فيما نقدمه من أداء.وكنا الأكثر تميزًا فى أن مدربنا أيضا هو الوحيد من فئة الصم وسط كافة المدربين من السامعين الممثلين لكافة دول آسيا.. حققنا المعجزة وحصلنا على المركز الأول لكأس أحسن مشروع روبوت على مستوى كافة دول آسيا.. والأصعب أن مشاركتنا كانت فى بداية ثورة 30 يونيو .. فكنا نتابع الأحداث فى مصر عبر القنوات التليفزيونية الإخبارية الفضائية.. وكنا نبذل الجهد أمام كافة الدول المشاركة لنؤكد أننا فى مسيرة نحو الرقى والتقدم فى مصر ومن مصر .. ووجدنا الكثير من التشجيع ونظرات الإعجاب والإنبهار من هيئات التنظيم ولجان التحكيم والمدربين بل والمنافسين لنا .. رجعنا وسعداء باستقرار مصر النسبى من بعد ثورة 30 يونيو وكان داخلى رغبة أخرى فى الاستمرار .. واثقة فى ذاتى وقدراتى .. متميزة بسبب مدرب متميز من الصم استشعره والدى فى العطاء والتقدير هو أ محمد صلاح.شاركت فى المسابقة الثانية لى فى مجال الروبوت فى مصر وهى الأولمبياد الدولى للروبوت لأحصل على المركز الأول مع فريقى فى مصر وتأهلنا للمشاركة فى الأولمبياد الدولى للروبوت على مستوى كافة دول العالم بأندونيسيا بل ولتميزنا تم دعوتنا للمشاركة فى مسابقة روبوت أخرى خاصة بمدارس الروبوت الآسيوية بأندونيسيا أيضًا .. فكانت رحلة لمسابقتين معًا .. كانت مسابقة مدارس الروبوت بآسيا تقديرًا وإعجابًا من جهة التنظيم لما تم نشره على الإنترنت والإعلام الرقمى عن إنجازنا فى آسيا بل وما سبقنى فيه زملائى الصم فى المسابقة الدولية للروبوت بأمريكا 2010 حيث حققوا المركز الأول لكأس أحسن تدريب وإشراف وكأس أحسن مشروع روبوت وما تحقق فى المسابقة الأوروبية المفتوحة للروبت فى تركيا عام 2010 بالحصول على المركز الثانى على المستوى الأوروبى .. ففى مسابقة مدارس الروبوت الآسيوية حققت وفريقى المركز الأول فى مسابقة المصارع الروبوت السومو وكان أداءنا متميزًا أيضًا فى الأولمبياد الدولى للروبوت بأندونيسيا.. وفى كل المسابقات الدولية قدمت وفريقى مشاركات اجتماعية دفعت بكافة الفرق والمتسابقين والمدربين ولجان التحكيم وجهات التنظيم الدفع نحو التعامل معنا.



 حيث شاركت ببانر يعرض الحروف الأبجدية للغة الهيروغليفية وشاركت بورق من البردى أكتب فيه أسماء من يرغب من كافة الحضور لأسمه باللغة الهيروغليفية .. لقد أتقنت أداء الرسوم الهيروغليفية وكنت أكثر تواصلا ً مع كافة الحضور ليصبح لى العديد من الأصدقاء على الفيس بوك منهم .. مع فخرى بأننى من رفعت علم واسم مصر عاليًا وسط السامعين وبين كافة الدول المشاركة فى تلك المسابقات .. المسابقة الثالثة بالأولمبياد الدولى للروبوت بمصر فى عام 2014 وأحقق أيضًا وفريقى المركز الأول لأمثل مصر بالأولمبياد الدولى للروبوت بروسيا .. ومع تميز الأداء لا أنسى نظرات الإنبهار والإعجاب والتقدير من أحد المحكمين من اليابان .. صورة لا تغيب عن مخيلتى .. كان الاعجاب بكيفية أن أتواصل مع فريقى حول مصطلحات ومكونات الروبوت بل ومصطلحات وأوامر برمجيات الروبوت ومن خلال لغتنا .. لغة الإشارة .. ودار بينى وبينه حوارًا .. ليبحث عنى فى كافة المسابقات الدولية التالية .. وكم أسعد بلقاءه وكم يسعد بلقاءى فقد التقينا بالمسابقة الدولية للروبوت بالهند لتليها المسابقة الدولية للروبوت بكوستاريكا .. فهو محكم دولى وحقق لى شخصيًا تقدير قيمتى الإنسانية كفتاة مصرية صماء .. أنظر إلى حوارها وثقتها بنفسها وهى تعبر عن ذاتها .. لأتساءل محاورًا لها .. وما قيمة ما حققتيه من مكاسب فى مشاركاتك فى مسابقات الروبوت .. أليست مجرد لعبة فقط ؟؟ قالت والابتسامة تملأ شفتيها وتعبيرات الوجه الواثقة من نفسها: "لقد تعلمت فى الروبوت ما لم تحققه لى المدرسة .. لقد تعلمت ميكانيكا تصميم الروبوت .. وتعلمت برمجيات الروبوت .. إنها مزيج من الفيزياء والهندسة والرياضيات والبرمجيات فى عالم تكنولوجي تعلمت المصطلحات العلمية ومكونات الروبوت .. تعلمت فى سابقات الروبوت العديد من العلوم .. مسابقة تتعرض لعالم الحيوان .. وأخرى فى عالم البيئة .. وثالثة فى عالم الاتصالات والمواصلات .. والرابعة فى مجال تكنولوجيا التعليم .. وخامسة فى مجال تكنولوجيا رعاية المسنين .. وها أنا الآن أستعد للمشاركة فى مسابقة عن عالم المياه .. لقد قدمت مع زملائى من الصم وضعاف السمع خلال مشاركاتى فى تلك المسابقات العديد من الاختراعات والابتكارات التى تخدم مجتمعاتنا .. مترجم لغة الإشارة الإلكترونى .. سيارات تعمل بالموجات الفوق صوتية تمنع التصادم والحوادث .. منظم جرعات الأدوية للمسنين .. كرسى الروبوت للمسنين يتحرك داخل غرف المنزل بضغطة زر واحدة .. منبه للصم يتيح لهم إدراك صوت جرس الباب الغير مسموع لهم .. بل وأستعد هذا العام لاختراعًا لحل مشكلة المياه فى مصر .. الأفضل إننى وأقرانى الصم غيرنا نظرة المجتمع تجاهنا .. لقد تحولت من نظرة العطف  والتهميش إلى نظرة التقدير والاحترام والانبهار .. وليس بمجرد حوار إعلامى أو تليفزيونى .. لقد غيرنا نظرة المجتمع إلينا بأنفسنا وبذاتنا .. هل تعلم إننى شاركت فى أكثر من 16 مسابقة فى مصر والعالم فى مجال الروبوت ولم أبلغ بعد الستة عشر عامًأ .. إن هذه الشهادات التى جمعتها حققت لى سيرة ذاتية أثق فى أنها ستتيح لى الحصول على منحة دراسية بإحدى الجامعات الخاصة بمصر أسوة بمن سبقونى من المتميزين من إخوانى الصم.


 
أحلم باختراق الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا لأحقق لى الوجود والقيمة والتميز .. إن خبراتى فى مجال السفر بالطائرات خارج مصر علمتنى الترانزيت والفيزا وجواز السفر وتذكرة الطيران وبوابات المطارات وإجراءات السفر بل وتعلمت الكثير من ثقافات الشعوب .. وحقـًا تعلمت احترام الاختلافات .. كما أن مشاركاتى مع فريق من الصم بكافة المسابقات علمنى احترام الرأى والرأى الأخر .. وأن العمل كفريق يحقق التميز أفضل بكثير من العمل الفردى .. أليست كل هذه منافع واستفادات من مشاركاتى فى مجال الروبوت .. لقد حققت بالروبوت وبذاتى إندماجى فى المجتمع .. ولم أنتظر من المجتمع أية مبادرات لدمجى ... لقد فرضنا أنفسنا على المجتمع بتميزنا وقدراتنا التى اجتزنا بها إعاقتنا .. ولم نطلب منحة أو هبة من المجتمع فى أن يدمجنا .. أليست هذه قيمة أستشعرها فى ذاتى .. لقد انبهرت بكى حقـًا .. أنتى صورة للطاقة الايجابية والتميز الناجح والوجود الحقيقى للقيمة الإنسانية .. إذا كانت هذه حقـًا قيمة الصم وهذه قدراتهم وهذه ايجابياتهم الحقة .. فلقد جعلتينى أتمنى أن أجد كل أفراد مجتمعنا أن يكونوا من الصم .. إنه فخرًا لى أن يكون حوارى معك كفتاة صماء مصرية.


 

وفى نهاية حوارى أتساءل هل لديكى كلمة تختمى بها حديثك معنا؟ أقولها بصدق .. لم أجد إيجابية من المجتمع إلا بعد أن أثبت وجودى.. هى بداية كلمة لأقرانى الصم ولأولياء أمورهم .. إننى الآن حقـًا فخورة بأننى صماء .. بل أثق فى أن كثيرًا من أفراد أسرتى يحسدوننى على ما أنا فيه.. لا زال الكثير منهم لم يستخرج جواز سفرًأ ولا يعلمون أين الطريق للمطار !!! وكلمتى للمجتمع .. لا تنظروا إلى إعاقتنا السمعية بل إنظروا إلى قدراتنا، سنحقق لكم الفخر بأن نكون جزءًا منكم، أريد أن أجد لنا مكانًا بمعهد تكنولوجيا المعلومات التابع لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.. أين نحن من المنح التكنولوجية والتعليمية التى يتيحها المعهد ككيان وزارى وحكومى لكافة فئات المجتمع .. ألسنا جزءًا من هذا المجتمع بل وجزءًا متميزًا وذو قيمة بقدراتنا.. التعليم قيمة الإنسان .. وأستشعرتها فى رحلتى مع الروبوت والبرمجيات والعلوم التى تعلمتها فيما بين مسابقات الروبوت بمجالاتها ومحاورها المتعددة.



سالتى إلى وزارة التربية والتعليم .. كفانا تلك النظرة لنا كفئات خاصة تقصدون بها التدنى، نحن فئات خاصة بقدراتنا وما أبهرنا به العالم .. أين مكاننا الحقيقى فى تعليم فعال يحقق لنا التميز وسط السامعين ..لقد تميزنا فى مجال الروبوت ومشاريع الروبوت على السامعين من طلاب مدارس اللغات والمدارس المتميزة عندما أتيح لنا التعليم الحقيقى من خلال تدريب يحترم لغتنا لغة الإشارة ويدرك مواطن القوة لدينا ويستثمرها لصالحنا، إن ما نحن فيه بصفة عامة من تدنى فى المجتمع هو نتاج تدنى مستوى تعليمنا بمدارس الصم وضعاف السمع .. لا نحتاج لتغيير مناهج .. ولا نحتاج لتطوير مدارس وأبنية تعليمة .. ولا نحتاج لأجهزة معقدة.. نحتاج فقط لتدريب حقيقى ومتميز لمدرسينا ليدركوا أنسب أساليب التدريس التى تتناسب وذاكرتنا البصرية ولغتنا الإشارية وتحقق لنا التعلم الأمثل الذى أفتقده وأفتقده أجيالا ً وأجيالا ً من الصم.. لقد صدر قانون الأشخاص ذوى الإعاقة وينتظر التفعيل.. ولكن ليس بالصياغات والبنود القانونية نحيا.. كما أبهرنا مصر والعالم بأداءنا فى مجال الروبوت لتعليم وتدريب أمثل لنا بتلك المؤسسةالاجتماعية.. نريد تعلمًا أمثل لنا بمدارسنا.

الصدر : نصف الدنيا